السيد محمد تقي المدرسي

348

المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)

إلى الأرض ؟ واستمر يفكر ، حتى وصل إلى الحقيقة . من هنا ينبغي للباحث أن يطلق العنان لنظراته حتى تسرح في جنبات الحياة ، وتلتقط الملاحظات العامة من هنا وهناك ، وكثير من الباحثين يحبسون نظراتهم ، في غرف مغلقة ، ويخسرون حقائق كبيرة من الحياة ومن هنا جاء في الحديث : ( طوبى لمن كان نظره عبرة ) . وقد يكون الذكاء أشبه شيء بالتنبؤ العلمي الغاية منه صياغة نظرية أقرب ما تكون إلى التجارب المشهودة . . كذلك التنبؤ الذي قفز إلى ذهن باستور ، حيث كان يمارس تجاربه على الأمراض ، إذ تخيل في البدء : أن يكون المرض ناتجا من جرثومة صغيرة ، وبعد ان تابع بحثه رأى صحته . يقول في ذلك كلود برنارد : إن الأفكار التجريبية يمكن أن تولد إما لمناسبة ظاهرة نلاحظها ، وإما على أثر محاولة تجريبية ، وأما كنتيجة متممة لنظرية ، سبق التسليم بها « 1 » . وهكذا يعطينا الذكاء قدرة على البحث ، بكشفه عن نظرية معينة ، وفي الوقت ذاته قد يكفينا مؤونة الاستمرار في بحث عقيم ، إذ قد يكشف لنا الذكاء : تناقضا في النظرية ، بحيث لا يجدي معه الاستمرار في البحث عن صحتها ، أو خطئها . يقول في ذلك د . محمود قاسم : يجب أن يكون الفرض خلوا من التناقض ، أي انه يتحتم على الباحث - قبل الشروع في التحقق من صدق أحد الفروض ، بالملاحظة والتجربة - أن يبدأ بنقده وتمحيصه ، فإذا تبين له خطأه ، كفى نفسه مؤونة البحث ، وخاصة إذا كان إجراء التجارب ، يتطلب نفقات باهظة وآلات جديدة ، ويعد هذا بمثابة تجربة عقلية تهدف إلى الاقتصاد في المجهود الفكري « 2 » . . وما يسميه الدكتور قاسم بالتجربة العقلية ندعوه بالذكاء . ومن هنا كان يقال : ان العالم بحاجة إلى خيال خصب لكي يساعده

--> ( 1 ) - المنطق الحديث ومناهج البحث ، ص 187 . ( 2 ) - المصدر ، ص 179 .